الرئيسية / اراء ومقالات / الثنائيات المبدعة عبر التاريخ.. عظمة القيادة وعظمة الأدب
1724482_279328598888201_1995028590_n

الثنائيات المبدعة عبر التاريخ.. عظمة القيادة وعظمة الأدب

 

 

 

للتاريخ نكهة خاصة حين يخرج عن مساره في تسجيل آثار الحكّام وأعمالهم الحربية، بل وبطشهم في رعاياهم، أوإنجازاتهم العمرانية التي شيّدت على جماجم الضحايا.

نكهة التاريخ تتجلى عبر مسار الأمم المتحضرة، في تلك الثنائية البديعة بين القيادة السياسية التي مثلّت مرحلتها بأبهى ماتكون عليه القيادة، فأوصلوا أممهم الى قمّة الرفعة والمجد، وبين أدباء أوعباقرة كبار إستطاعوا تخليد تلك الأزمنة بما أنتجوا من أعمال خالدة بقيت شاهداً على روح تلك العصور.

في ذلك كله، لم يلجأ اولئك الأدباء الأفذاذ، الى المدح المباشر لقادة تلك الأزمنة ـ إلا فيما ندر ـ كذلك فأن علاقة القائد الكبير بالمبدع الكبير، لم تكن علاقة منفعية أو تابعة، إنما علاقة متكافئة تقوم بين كينونتين مستقلتين إحداهما عن الأخرى، وإن كان كلّ منهما يؤمن بقدرة الآخر على العطاء ومن ثم التألق فيما يفعل، وعليه تآلفت تلك العلائق بالإختيار الطوعي، ليس بمعنى التخصيص، أي أن ايّاً منهما ـ القائد والأديب ـ لم يسع نحو الآخر بقصدية، فلا القائد بقصد الخلود ولا الأديب بقصد الرضا، وربما لم يلتق أحدهما بالآخر الا لماماً وبمناسبات متباعدة وعابرة ـ بل أن البعض عاشا في أزمنة مختلفة تفصل بينهما عشرات السنين، كبطرس الأكبر وبوشكين ـ لكن معادلة قامت بين الإثنين على غير انتظار: القائد يلهب خيال المبدع بعظيم أعماله، فيجسّدها المبدع بأعمال عظيمة تُسجل شهادة على تلك الأزمنة التي قادها ذلك القائد الملهم وهكذا.

كثيرة هي الأمثلة ومتعددة الأوجه والإنجاز ، لكننا سنتطرق الى نماذج منها ربما كانت الأبرز على ذلك الصعيد ،أما أهم الثنائيات عبر التاريخ، فقد تمثلت ـ حسب رأيي ـ بالثنائيات التالية :

1ـ الاسكندر المقدوني / أرسطو

كان أرسطو أول من وضع نظرية (الأمّة القائدة) التي تشير خلاصتها إلى ان هناك شعوباً خلقت للقيادة والسمو، وشعوباً خلقت للعبودية والتبعية، انها ثنائية الخلق ومشيئة الطبيعة.

كان أرسطو معلم الإسكندر ، ذلك المترعرع في حضن أمة الفلاسفة والمحاربين، وكان كل مافي اليونان ذلك الوقت، يشي بتأكيد هذه النظرية، فالإنتصارات الحربية المدوّية على أمم أكثر عدداً وأوفرعدة، والتطور الهائل في الفنون والآداب والسياسة والإجتماع ـ بمقياس تلك العصور ـ خلقت انطباعاً يسنده الواقع، بأن اليونان هي معلم البشرية ومنقذها من الجهل والتخلّف.

وفي الزمن / الذروة، قفز ذلك الشاب الرشيق عالي الثقافة والمشبع بنظريات أستاذه العبقري أرسطو، وقوة وإقدام والده المحارب (فيليب المقدوني) الى حكم مقدونيا، لينطلق من ثم الى توحيد مدن اليونان أولاً ثم يزحف بجيشه الصغير عدداً والمتطور حضارة والمعبّأ ايماناً بسمو رسالته ،نحو شعوب الشرق ليخضعها واحدة تلو الآخرى.

وليس مهماً معرفة ان كان الإسكندر المقدوني قد استلهم نظريات معلّمه أولاً قبل ان يقوم بفتوحاته ، أم أن أرسطو نفسه كان قد استقى نظريته من فتوحات تلميذه، فقد إندمجت العبقريتان في زمن واحد، وعبرّ احدهما عن الآخر بأبدع مايكون عليه التعبير، وهكذا سجلّت أول ثنائية معروفة في تاريخ الحضارة.

2ـ يوليوس قيصر / فرجيل

الوقفة الأخرى كانت في ثنائية يوليوس قيصر/ فرجيل، فالأول كان أحد أعظم ثلاثة قواد عرفهم تاريخ البشرية ـ حسب رأي الكثير من المؤرخين وعلماء الأنثربوليوجيا ـ وهم على التوالي ـ زمنياً ـ: يوليوس قيصر، كسرى نو شروان، هرون الرشيد ـ يأتي انتقاؤهم بإعتبار أزمنتهم حيث بلغ كل من تلك الأمم في عهد اولئك القادة، أوج ازدهارها وذروة مجدها، فروما قيصر وفارس كسرى وبغداد الرشيد، سادت وحكمت وغزت وانتصرت وازدهرت وسمت، فوصلت في كلّ ذلك الى مستوى العظمة والتطور، ليس في الحرب وحدها، بل فنوناً وحكمة وآداباً وعلوماً ومنجزات في كلّ مجال، كانت العظمة تفرد أجنحتها محمولة على شكيمة أولئك القادة.

يوليوس قيصر، القائد الذي دانت له الرقاب وخضعت له ملوك الأرض، خلّده التاريخ رمزاً لعبقرية القيادة، وجعل من قاتليه مثالاً للخيانة والغدر، قيل انه لم يلتق بفرجيل قط ـ هناك نظريات تخالف ذلك ـ رغم انهما عاشا في زمن واحد، تفصل بينهما ثلاثون عاماً، أي ان فرجيل كان في بدء تفتحه على الحياة، في وقت كان نجم قيصر قد بدأ بالبزوغ ومن ثم التألق.

فتوحات قيصر وانتصاراته المذهلة، قابلها (فتح) من نوع آخر، فقد وضع فرجيل ملحمته الخالدة (الإنياذة) التي تروي قصة ذلك الأمير الطروادي المهزوم (إنياس) وهو يقود ماتبقّى من شعبه بعد سقوط طروادة، ثم يبني به إمبراطورية عظيمة تخضع لها أمم الأرض بما فيها تلك القبائل الأغريقية التي أسقطت (طروادة) المدينة الجبارة، وأزالتها عن الوجود، لكن الشعوب التي تحمل بذور العظمة، لابدّ ان تنهض من جديد، خالقة بواعث قوتها وأبطالها الذي ينهضون بتلك المهمة، خلاصة (الإنياذة)، إن الشعب المقهور الذي قاده بطل (اسطوري) أو بطل / حلم، هو ذاته الذي أنجب بطلاً عظيماً أسمه يوليوس قيصر، سيفرد له التاريخ أزهى فواصله وفصوله، فيما ستُقرأ الملحمة الخالدة لذلك الشعب، التي خطّها شاعره اللامع (فرجيل)، من قبل ملايين البشر عبر إمتداد الأزمنة، ليتربع من ثم البطل القائد، وشاعر البطولة الملحمية، معاً في نشيد الخلود.

3ـ الإمام علي / ابو الأسود الدؤلي

لم يخل التاريخ العربي من هذه الثنائية، خاصة مع ظهور الإسلام وتشكّل الأمة التي ستصبح واحدة من أكبرالأمم التي دوَّنَ مآثرها التاريخ البشري وأكثرها إنتشاراً وجبروتاً، لقد شهدت أزمنة الصعود العربي، الكثير من الثنئايات مختلفة الأهمية، لكن أوضحها بداية ربما كانت مع الإمام علي / أبوالاسود الدؤلي، حيث الإنجاز اللامع الذي سيمتدّ صداه على مدى الأزمنة وإختلاف العصور.

لقد إجتمع الخليفة العالم (علي بن أبي طالب ) مع الأديب العالم (أبو الاسؤد الدؤلي) في عصر كثرت فيه الفتن وتكالبت المطامع، بأسانيد تبعثر اللسان العربي وتعدد القراءات والتفسيرات لآيات القرآن الكريم، فأوشكت المعاني أن تذهب الى حيث تجّير مما يزيد في فرقة المسلمين.

الإمام المنشغل بالحفاظ على وحدة الأمة وجمع الكلمة، مع مواجهة الطامعين والمتمردين والمنشقين الذين تمترسوا خلف ما أرادوا فهمه من أحكام القرآن مستغلّين تعدد التفسير في التعبير الواحد لخلوّ المدّون من أداة ضبط وقياس.

كان لابدّ من ضوابط توحد اللسان وتقونن المعنى، ذلك ماتطلب إنجازه إجتماع عبقريتين / قائد ملهم، لم يصرفه تكاثر الأحداث في عهده القصير، عن النظر بسعة أفق الى ماسيحصل في أمة يتبعثر لسانها وتختلف في قراءة كتاب أنزله الله عليها ليكون نبراساً لهداية البشرية جمعاء.

وبوجود عالم فذّ، إستطاع التفاعل مع الفكرة التي وضعها الإمام الخليفة، لينتجا من ثم الإنجاز الباهر الذي جعل من اللغة الأكثر قداسة بين لغات الأرض، تـُُقرأ بلسان واحد على إختلاف الأمم والشعوب، إلتزاماً بضوابطها التي تمثلت بوضع نقاط وحركات ضمن قواعد وأصول تفرّق الجملة بين فعلها وفاعلها وضمائرها وإضافاتها واشتقاقاتها وجذرها.

بعد زمن سيظهر مثال آخر في ثنائية التألق بين القيادة والأدب، جسده هرون الرشيد / أبو نؤاس.

4 ـ الرشيد / أبو نؤاس

هرون الرشيد الذي خاطب الغيمة “إمطري حيثما شئت، فريعك عائد لي”، وبغداد في عهده “عاصمة والكون بلاد” كما قال شاعرها، إذ لم يسبق لمدينة أن بلغت من المجد ما بلغته بغداد، كانت متطورة في كل شىء، العلوم والفنون والآداب إضافة الى جبروتها العسكري، وكانت مقصداً لطالبي العلم والعلماء، والباحثين عن الشهرة والثروة والجاه، كانت (البغددة) قد ذهبت مثلاً في الرفاهية والدلال وسعة العيش، مازال سائراً بين الناس.

ذلك التطور الذي عاشته بغداد، كان خير من عبر عنه وقرأه شعراً، (أمير) شعراء عصره ورائد التجديد في الشعر العربي، أبو نؤاس، سمير الرشيد وأنيسه ومستشاره الأدبي ـ إن صح الوصف .

لم يسلك أبو نؤاس طريق المدح كما ديدن الشعراء في ذلك الزمن، ولم يشتهر به كذلك، فقد تجلّت عبقريته الشعرية في الغزل والخمريات على عذوبة الأسلوب ورقة العبارة ووقع الموسيقى في كثافة الوصف وإبتكار الصورة، ذلك ما عبرّ عن أيام بغداد ولياليها الزاهية بالأنس والسمر ومجالس الأدباء وحواراتهم الى جوار موضوعات العلماء ومكتشفاتهم الرائدة.

يكفي أن تقرأ شعر النواسي كي تنقلك الى بغداد وقائدها الرشيد الذي طالما سهر الليل مستطلعاً أحوال الرعية متنكراً بزيهم مقتحماً مجالسهم وأسواقهم ودورهم.

لقد إلتصق الخليفة (المبدع) والشاعر المبدع في ثنائية تاريخية لا تنفصم عراها، فلا تـُقرأ مرحلة حكم الرشيد، من دون ذكر أبي نؤاس وشعره، ولا تقرأ في شعر أبي نؤاس، من دون ان تذكر مرحلة الرشيد الذهبية .

5 ـ سيف الدولة / المتنبي

سيف الدولة الحمداني، أمير فارس ظهر في عصر ضعفت فيه دولة الخلافة العباسية وبدأت بالإنحدار حتى لم يبق للخليفة مايحكمه سوى خدمه وجواريه.

أقام الحمداني إمارته في مكان يمثل الحدّ الفاصل بين دولة الروم ودولة المسلمين، لذا ألقيت على عاتق الإمارة الصغيرة التي لم تكن تحوي سوى حلب وجوارها، مهمة شبه مستحيلة في التصدي لإمبراطورية الروم بكلّ جيوشها وقوتها.

تلك مهمة يعجز عنها الشجعان وتنوء بحملها ممالك أكبر حجماً وأغنى مورداً.

لكن سيف الدولة قام بما هو فوق المتخيّل، فدوت إنتصاراته لتعمّ بلاد العرب من أقصاها الى أقصاها.

في الطرف الآخر، كانت الكوفة تشهد نشوء عبقرية شعرية سيتردد عبر القرون ويذهب مايقوله مثلاً تتلقفه الأفئدة قبل الأسماع.

كان الشاعر هو المتنبي “مالىء الدنيا وشاغل الناس”، يخرج من قوم “أبت نفوسهم ان تسكن الأجسادا” كما قال، وكان يتألم ان يرى تلك الأمّة الجبّارة التي دانت لها الأمم وطارت شهرتها على أجنحة المجد، تذوي وتسقم فلا يظهر فيها بطل يعيد لها رونقها.

سمع المتنبي بسيف الدولة، فسعى اليه بعد ان ألهب خياله الشاعر بصيت معاركه، رافق الشاعر، القائد الأمير وكتب فيه أعظم أشعاره وأكثرها صدقاً وخلوداً فصرخ بملء صوته وهو يرى بطولات الأمير “تمرّ بك الأبطال كلمى حزينة ـ ووجهك وضّاء وثغرك باسم” ثم يراه ينخز جفن الردى كي ينهض بأمر سيف الدولة الذي كان إسماً على مسمى” كأنك في جفن الردى وهو نائم”.

وهكذا إندمج القائد الشجاع، مع الشاعر الشجاع، ليذكرهما الدهر معاً، وربما يمكن القول أن معارك سيف الدولة وبطولاته، ماكان لها ان تؤرخ على ماوصلت به، لولا ان تجسّدت في قصائد المتنبي.

6 ـ بطرس الأكبر/ بوشكين

حالة فريدة من نوعها لم تتكرر في التاريخ، تلك التي مثلّها بطرس الأكبر قائد روسيا الأعظم في كلّ عصورها، وبوشكين الشاعر الأشهر في التاريخ الروسي.

لقد احتاجت الأمة الروسية مترامية الأطراف، الى سبعة قرون لتنجب قائداً بحجم قيصرها الأكبر لقباً وفعلاً، ثم الى مايقرب من قرن آخر، لتنجب من ثم عظيماً من نوع آخر هو شاعرها الأكبر بوشكين.

فصلت بين الرجلين تسعون عاماً، فقد توفى بطرس الأكبر عام 1698، بعد أن جعل من روسيا بلداً مهاباً، كان جباراً يقارب المترين طولاً ويتمتع بقوة جسدية هائلة إستغلها في عمل لاينقطع، زار في شبابه كل من هولندا وفرنسا وبريطانيا، فهاله مقدار التطور التي تشهده تلك البلدان في مختلف المجالات الصناعية والزراعية والعلمية، وهي كلها أصغر من روسيا مساحة وأقلّ موارداً، روسيا التي صرخ واحد من عمالقتها (جوجول) في روايته الشهيرة ” النفوس الميتة ” ـ ما أخرقها روسيانا هذه ـ.

حينما تسلمّ السلطة، قرر بطرس الاكبر أن يلحق روسيا بركب الحضارة، فارسل مئات الطلبة الروس للتعلّم في معاهد اوروبا، كما جلب عشرات من المهندسين والصناعيين ومصممي السفن، لتشييد المعامل وتعليم الروس الصناعة الحديثة، وكان يردد: سيأتي يوم نصنع فيه بأنفسنا .

وكان جيشه المهلهل وأسطوله القديم، قد هزم مراراً أمام القوات السويدية الأقل عدداً والأقوى تسليحاً، وحين يبلغّه قوّاده بالهزيمة يقول: سنتعلم منهم كيف ننتصر عليهم.

وبعد سنوات قليلة، جهّز جيشه وأسطوله الحربي وألحق بالسويد هزيمة ساحقة برزت روسيا بعدها كقوة عظمى.

وعلى إختلاف متواليات التاريخ ، ظلّ بطرس الأكبر المثل الأعلى لروح روسيا المتوثبة.

بعد عقود من رحيل بطرس الأكبر، ولد وترعرع مبدع آخر قدّر له ان يمثل رمز التألق في الأدب الروسي، حيث وصف كذلك بأنه روح روسيا الخالدة ومصدرإلهامها، انه الإسكندر بوشكين الشاعر الأعظم في التاريخ الروسي قاطبة.

لقد بقي هذا الرمزان يستلهمان في النهوض كلما أصاب روسيا الوهن أو تعرضت لمحنة، حدث ذلك في مواجهة نابليون ثم التصدي للغزو النازي حيث قيل أن أشعار بوشكين كانت تقرأ للصامدين في الخنادق والمقاومين خلف خطوط العدو، وصولاً حتى فلاديمير بوتين المعجب بسلفيه العظيمين.

وهكذا إجتمع رمزان إستثنائيان في فصول خالدة، القائد الملهم والشاعر الملهم في ثنائية السيف والقلم ـ رغم تباعد زمنيهما وإختلاف توجهاتهما.

7 ـ إليزابيث الأولى /شكسبير

عام 1558، تسلّمت ملكة شابة لم تكن تتجاوز الخامسة والعشرين من عمرها، عرش انكلترا بعد وفاة أختها، كان الإضطراب يعمّ البلاد، فالشعب منقسم بين بروتستانت وكاثوليك، وهؤلاء بدروهم تنخرهم الخلافات بين من يطالب بالتعبية للبابا، ومن يريد كنيسة إنكليزية خالصة، الاسكوتلنديين يتآمرون على الملكة مطالبين بالإنفصال، وهي تتعرض للتهديد من ملكي فرنسا وإسبانيا الطامعين في عرشها ومملكتها، أما رجال حاشيتها، فتتآكلهم المطامع الخاصة والولاءات خارج الوطن، الجيش ضعيف ومفكك إضطرّ لتجنيد حتى الصبيان اليافعين في مواجهات خلت من التكافؤ.

كان أمام الملكة الشابة إليزابيث، الكثير من التحديات التي يعجز عنها أكثر الرجال شجاعة وعزماً، كلّ ماحولها يدعو لليأس والإستسلام، لكن صلابة وإقدام تلك القائدة، جعلها تحطّم الصعاب واحدة تلو الأخرى، قضت على التمرد الإسكتلندي، ووحدت شعبها تحت شعارالولاء لإنكلترا، ثم كسرت ((الأرمادا) الأسطول الإسباني المرعب، وكان إن أصبحت بريطانيا في عهدها سيدة البحار والدولة الأقوى في أوروبا.

في زمنها، نشأ شاعر عبقري سيصبح ألأشهر في تاريخ الإبداع البشري متجاوزاً في شهرته كل من سبقه أو عاصره أو تلاه، أنه وليام شكسبير، الذي رأى مافعلته الملكة العظيمة، فظهرت مسرحياته وأعماله، تجسّد الأعمال التي أنجزتها والقيم التي آمنت بها، وقد فُسرت مسرحياته على أنها بمثابة نصائح للملكة، كمسرحية (ترويض الذبابة) التي تروي قصة رجل يحاول التأثير على إمراة، و(تاجر البندقية) عن الخبث والحقد والعدالة، و(الملك لير) في خطورة التخلي عن السلطات وهكذا.

واليوم، فإن قراءة تاريخ بداية المجد العسكري والسياسي لبريطانيا، إنما يبدأ من إليزابيث الأولى، كما تقرأ بداية التفوق الأدبي بما أبدعه شكسبير، وهكذا خطّ القدر في أروع فصوله، ان تتزامن هاتان العبقريتان، الملكة القائدة والشاعر الخالد ليقرأ معاً في أنشودة السمو .

8 ـ بسمارك / نيتشة

بروسيا، دولة قوية في قلب أوروبا، لكنها لم تكن الأقوى، كانت تحاصر من دول مهابة / النمسا / روسيا/ فرنسا / كان التنافس بينها شديداً وتكاد بروسيا ان تغرق بنزاعات أمرائها وأطماعهم، أما بقية الولايات الألمانية، فينطبق عليها ما انطبق على دويلات العرب في الأندلس، تناحر وفرقة وولاءات مبعثرة.

كان هناك سياسي داهية ومثقف بارع ولد في 1815، اسمه فون بسمارك، قدّر له أن يتقلّب في المناصب الى ان وصل الى منصب المستشار، وكان لما أظهره من صلابة ودهاء قد لقب ب(المستشار الحديدي).

في 1862 تبوء منصب رئيس وزراء بروسيا ثم أسس الرايخ الثاني، بعد حلقات من المعارك الناجحة ـ السياسية والعسكرية ـ ضد عدوتيه اللدودتين ـ النمسا وفرنسا ـ.

وفي سلسلة من المناورات التي عبرّت عن ذكاء خارق وفهم عميق للظروف المحيطة، تمكن من جمع الولايات الألمانية تحت علم دولة واحدة باعثاً فيها حيوية مدهشة وروحاً قومية جبارة ستقلق بقوّتها وتوثبها العالم كله.

عام 1844، ولد عبقري سيطلق عليه (نبي القوة)، إنه فريدريك نيتشة الذي سيسحره مافعله بسمارك فيعتبره رمزاً للكمال الألماني وجنسه المتفوق.

عظمة بسمارك وقدراته السياسية وعبقريته العسكرية الفذّة، ألهبت خيال الشاعر والفيلسوف العبقري نيتشه، فأصدر أعماله الفلسفية والأدبية تباعاً وهو يتيه إعجاباً بإنجازات قائده الملهم بسمارك.

كان أنجيل القوة التي نادى بها نيتشه، قد توّجت بكتابه (هكذا تكلم زرادشت)، الذي كتبه وهو منغمس بخيال معلمه الأكبر بسمارك، حتى قيل أنك لايمكن ان تقرأ الكتاب المذكور، من دون أن تتراقص صورة بسمارك أمام مخيلتك.

بعد نصف قرن، سيظهر زعيم آخر ينهض بالمانيا من كبوتها ويدفعها أن تكون القوة الأكبر في أوروبا، انه أدولف هتلر، الذي تخلى عنه الألمان بعد أن قادهم نحو محاربة العالم.

لكن الألمان مازالوا يشعرون بالإجلال أمام ثنيائهم الخالد، عبقري القيادة بسمارك، وعبقري الفلسفة نيتشة.

9 ـ غاندي / طاغور

الهند، عملاق آسيا والبلد الأجمل فيها، بلد السحر والأساطير ونيرفانا الإنسان الباحث عن الحقيقة، بلاد الألسن والشعوب والطبقات والحكمة.

كان ذلك البلد مترامي الأطراف، يخضع لإستعمار جيوش الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس / بريطانيا / التي كانت تعتبر الهند درّة التاج في مستعمراتها الممتدّة عبر القارات.

الشعب الهندي متفرق ومستنزف، جهده وعرقه يذهب لخدمة المحتلين، وهو يأنّ تحت وطأة الفقر والحاجة والعبودية.

لكن طلائع الفجر كانت على موعد في الظهور، جاء محام مؤمن بحرية شعبه، إسمه كرمشاند غاندي، كان يدافع عن الفقراء في جنوب أفريقيا، لكنه عاد الى بلاده عام 1915ليقود أعظم حركة تحرر متميزة في خصوصيتها.

(ساتيا غراها) وتعني مقاومة الإستبداد من دون عنف، تلك هي مدرسة غاندي ـ المهاتما أو الروح العظيمة ـ كما أطلقها عليه شاعر الهند وفيلسوفها الأكبر رابندرانات طاغور.

كأنما هذان العظيمان على موعد، فلم يفصل بينهما سوى سنوات ثمان، ولد طاغور في 1861، وكان طفلاً يافعاً لم يكمل بعد سنته التاسعة من العمر حينما ولد غاندي في عام 1869.

سلك كلّ منهما طريقا مختلفاً، لكن الأقدار جمعتهما في نداء واحد: حرية الهند ومبدأ اللأعنف، ومحبة الإنسان حيثما وجد.

لم ترق لطاغور بساطة العيش التي إتبعها غاندي، ورأى فيها أسلوباً غير لائق بقضية الهند، لكنه بقي يحترم الرجل ومقدار ما حققه لبلاده وشعبه، كما كان غاندي بدوره يكنّ احتراماّ عميقاً لطاغور الذي كان أول شاعر آسيوي ينال جائزة نوبل.

ومرة أخرى في دورة الأزمنة، تجتمع عبقريتان في بلد واحد ليذهبا معاًخلوداً ثنائياً بين السياسي المعلم والشاعر المدرسة، فكانا زعيم الهند الأعظم غاندي، وشاعرها الأعظم طاغور.

محمد علي جناح / محمد اقبال:

في جانب آخر من القارة الهندية، وفي الزمن ذاته تقريباً، شهد ت تلك المرحلة ولادة ثنائي آخر، زعيم إختلف فيه المؤرخون، وشاعر أحتفى به المبدعون ـ بل وكلّ الباحثين عن الجمال ـ .

محمد علي جناح، المولود في العام 1876، ومحمد إقبال المولود بعده بعام واحد (1877)، كان الأول زميلاً لغاندي في حركة التحرر الهندية وعضواً في حزب المؤتمرالهندي، لكنه قاد لاحقاً حركة إنفصال باكستان متسبباً بحرب دموية بين الهندوس والمسلمين أدّت الى سقوط آلاف الضحايا.

يعتبره البعض زعمياً إنفصالاً، فيما يعتبره البعض الآخر باني باكستان الحديثة وصانع نهضتها.

أما محمد إقبال، فلا يختلف إثنان بأنه شاعر باكستان الأكبروأديبها الأريب الذي امتدت شهرته الى الشعر العربي ذاته حيث شدت سيدة الغناء العربي أم كلثوم برائعته (حديث الروح).

العصر ذاته والأحداث ذاتها والتوجه ذاته نحو القناعة بقيام باكستان، جمعا بين الرجلين القائد والشاعر.

فلاديمير لينين / مكسيم جوركي

لم تتوقف الأمم عن إنجاب الثنئايات، فبعد مايزيد عن قرنين من عصورها التي عاشت فترة من الإنحطاط في المراحل المتأخرة من حكم القياصرة، شهدت روسيا مرة أخرى ثنائية تكونت من الثائر المثقف فلاديمير لينين والأديب الثائر مكسيم جوركي الذي خلّد تلك الثورة بروايته (الأم) التي اعتبرت من أهم ما كتب زمن الثورة.

في بداية الثورة، حاول لينين ضمّ الكاتب مكسيم جوركي الى حزب البلاشفة، بعد ان ربطت بين الإثنين صداقة حميمة وقناعات مشتركة بضرورة الثورة، لكن مكسيم جوركي فضّل ان يبقى مستقلاً لينظر الى الثورة بمنظار آخر، وكان له ما أراد، رغم ان المؤرخين ربطوا بين الرجلين كلّ فيما أنجز.

ثم شهدت فرنسا إبانّ الإحتلال النازي، ثنائية القائد المقاوم ديغول، وشاعر المقاومة أراكون.

وفي الجانب الآخر من الأطلسي، ظهرت ثنائيتان آخريان: القائد الأنيق شكلاً وسياسة جون كنيدي، والأديب الأنيق أسلوباً وإبداعاً آرثر ميلر.

كذلك إرتبط القائد الثائر فيديل كاسترو، والروائي المغامر أرنست همنغواي، بصداقة عميقة لابد سيذكرها التاريخ باحترام عميق.

في العالم العربي الحديث، ظهرت ثنائية عبد الناصر/ هيكل في مصر، وبومدين الطاهر /وطار في الجزائر، بل ويمكن إضافة ياسر عرفات (قائد المقاومة الفلسطينية) ومحمود درويش (شاعر المقاومة الفلسطينية)، فكلاهما سجّل حضوراً متميزاً في تاريخ المنطقة عموماً، والحضور الأول في التاريخ الفلسطيني على وجه الخصوص.

لكن العراق في كلّ تاريخه الحديث، بقي خارج الدائرة، فعلى الرغم من عشرات المبدعين في عالم الأدب، الا أن قائداً سياسياً واحداً لم يلهب خيال شاعر أو كاتب عراقي، ليشكّل معه ثنائية مبدعة تدخل تاريخ السياسة وتاريخ الأدب على حدّ سواء، فهل سينجب الزمن العراقي ثنائيته الخاصة؟

عند قيام الدولة العراقية الحديثة عام 1921، ظهرت العديد من الرموز الشعريـة التي كان بإمكانها ان تشكّل ثنائية من نوع ما ـ معروف الرصافي، جميل صدقي الزهاوي، عبد المحسن الكاظمي، ثم محمد مهدي الجواهري والصافي النجفي وآخرون ـ لكن التقلبات السياسية وإضطراب البدايات، لم تفرز قائداً سياسياً ملهما، فمرّ زمن الملكية بأكمله من دون ان يترك أثراً ثنائياً ولو بشكل عابر.

ثم جاء العهد الجمهوري بقائد وطني إسمه عبد الكريم قاسم، كان يمكن أن يكون مصدر ثنائية مع أحد رواد الحداثة الذي ظهروا قبل ذلك ببضع سنوات ـ نازك الملائكة، بدر شاكر السياب، عبد الوهاب البياتي ـ لكن الفرصة تضيع مرة أخرى على العراق، بفعل التمزقات الحادّة في الواقع السياسي وقصر فترة حكم قاسم الذي مرّ على العراق كحلم صيفي .

ثم جاء حكم الحزب الواحد والزعيم الواحد بكل صخبه وضجيجه، فكانت من أولى (ثمراته) أنه قضى على الإبداع العراقي وجعل المبدع بين خيارات عصيبة، إنطفاء شعلة الإبداع لديه وتحوله الى مادح للقائد بالقوة، أو الهرب خارج التجربة الإبداعية كلها ـ نفياً أو صمتاً ـ أو ضحية القمع و(ضيف) المعتقلات، وهكذا خرج زمن عراقي آخرعقيماً كسيحاً.

ثم جاء التغيير العاصف بكل إستثنائيته وإشكالاته، وانتقل المجتمع العراقي الى عصر جديد إسمه الديمقراطية التي لم يألفها قبلاً، ولما كانت التجربة مازالت قيد التشكّل، لذا لم تظهر مؤشرات بعد على إمكانية ظهور ثنائية من النوع التي أسميناها (عظمة القيادة وعظمة الأدب) ولايتوقع لها الظهورفي القادم من أيام العراق .

لكن هل ذلك وحده يكفي لتفسير حقيقة خلو تاريخ العراق المعاصر من ثنائية مبدعة؟ ينبغي إضافة سبب آخر جوهري (تعدد الولاءات).

جميع الثنائيات الواردة أعلاه عبر مسار التاريخ، تميزت بأنها وطنية الإنتماء، فلم يكن أيّ منها قد إعتبر وطنه جزءاً من مكان أشمل، وبالتالي لم يضع ذلك الإعتبار في موقع الأولوية قيادة ومركزاً، لذا جعل بعضهم من الأمم الأخرى جزءاً من أوطانهم وليس العكس، فيما عمل البعض الآخر على جعل وطنه مثلاً أعلى للأمم والشعوب.

في العراق، ظهرزعماء إعتمدوا أساساً على آديولوجيات تنهل من إعتبار العراق جزءاً في بناء أوسع، فالمعروف أن الأحزاب والحركات السياسية العراقية، كانت تعتمد في فكرها السياسي على مصادر ثلاثة: القومي والإسلامي والماركسي، وهذه جميعها تنظر الى العراق بإعتباره جزءاً من: أمة عربية عند القوميين، ومن أمة إسلامية عند الإسلاميين، ومن حركة البروليتاريا العالمية عند الماركسيين، وعليه لم يجد ماعرفه العراق من زعامات، غضاضة في الإعتماد على الخارج والإستعانة به.

لقد بدأ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 بملك (مستورد) من الحجاز، وقد جيء به مع حاشيته وقواده الذين كانوا ضباطاً في الجيش العثماني، ثم قتل الزعيم العراقي الوحيد ـ عبد الكريم قاسم ـ عام 1963 بإشراف مباشر من صلاح نصر قائد المخابرات المصرية أيام جمال عبد الناصر الذي كان قادة التيار القومي في العراق، يعتبرونه قائدهم الفعلي ويتلقون أوامرهم منه، ثم جاء البعث الذي فضل ّ أي عربي والى أي قطر إنتمى، على أيما عراقي وأيّاً تكن قدراته وصدق إنتمائه للعراق، وعليه حمل الالاف من غير العراقيين ، جوازات سفر عراقية بسبب ولائهم للنظام ، في حين حُرم منها مبدعون عراقيون بحجم محمد مهدي الجواهري وعبد الوهاب البياتي وغيرهم .

 

د. علي السعدي

كاتب وباحث في علم الاجتماع السياسي

شاهد أيضاً

F017051C-96FA-44EA-9243-58A07CD2BFBF

وفد عراقي في السعودية لتوقيع هذين الاتفاقيتين.. تعرف على التفاصيل

أعلن وزير النقل كاظم فنجان الحمامي، الثلاثاء، عن عزم العراق توقيع اتفاقيتين مع السعودية فيما …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *