الرئيسية / اراء ومقالات / تحطيم تمثال وإحراق كتاب

تحطيم تمثال وإحراق كتاب

 

عبد الزهرة زكي /

 

ارتبكت كثيراً أمام صورٍ لتمثال جواد سليم محطماً على الأرض في الأسبوع الماضي، وحين ارتبك لا أكتب ولا أقول شيئا، انتظرت، ولم أكن قاصدا انتظار شيء قدر انتظاري رؤية معقولة لصورة تمثال محطم.

صور التماثيل المحطمة كانت كثيرة في الأعوام الأخيرة.. وفي غضون هذه الأعوام المؤلمة، كتبت عن صورة تمثال أبي العلاء المعري محطّماً في معرة النعمان مدينة الشاعر الفيلسوف في سوريا، ثم وقفت بعد حين عند صورة تمثال شاعر آخر هو أبو تمام وقد تحطم في مدينته نينوى، وقبلهما تألمت لصور تماثيل كثيرة جرى هدّها وجرفها هنا وهناك، وقبل كل ذلك كتبت قصيدة عن تماثيل بوذا التي تهاوت أمام ضربات مطارق التشدد والكراهية في أفغانستان، فيما كتبت بعد ذلك، وكان هذا مؤخراً، قصيدة لم تنشر بعد عن تحطيم التماثيل في ليتوانيا إحدى جمهوريات الاتحاد السوفيتي المنحل، وكان تشدد آخر وكراهية أخرى وراء هذا التحطيم.

تمثال التشكيلي العراقي الأبرز جواد سليم كان آخر تمثال يجري تحطيمه في مدينة الفنان بغداد. بالمصادفة شاهدت التمثال قبل أسابيع؛ في العادة كنت أتفادى المرور بالمكان الذي وضع فيه التمثال. لا أذكر لماذا مررت في تلك المرة به، فرأيت التمثال عن بعد. لم أطلع عن كثب على تفاصيله، وحتى لم أكن أعرف أنه لجواد، لكني تساءلت كيف ارتضت الجهة التي أوعزت بنصب التمثال أن يكون موضوعاً في هذا المكان الهامشي الضيق والمكتظ دائماً بسابلة مرهقين، إنه مكان أتلف الكثير من قيمة جدارية فائق حسن بمحدودية فضاءاته وبزحمته وبالضوضاء التي حواليه. لقد وضع تمثال جواد في طريق ضيق ومكتظ. ولا يشفع أن تكون خلفه قاعة كولبنكيان، لكن كل هذا لا صلة له حتماً بتحطيم تمثال لفنان بغدادي عظيم.

لا شيء يبرر تحطيم أي تمثال.

يقترب، بموجب قناعاتي، مبدأ تحطيم التماثيل لا يختلف عن مبدأ إحراق الكتب. كلا المبدأين ينطلقان من دافع أخلاقي هو الكراهية ومن دافع إيديولوجي هو التكفير (التكفير ليس دينياً فقط)، لكن المبدأين متداخلان؛ لا كراهية لا تدفع إلى التكفير ولا تكفير لا ينطلق من كراهية أو يخلقها.

باستثناء المخطوطات القديمة ونصب العصور الماضية يمكن في عالمنا المعاصر تعويض كتاب معاصر محروق وحتى إعادة نصب حديث إلى مكانه كما حصل لتمثالي السعدون والمنصور. ليس هذا هو الجوهر العميق لمشكلة الاعتداء على تمثال أو إحراق كتاب.

أخطر ما في المشكلة هو تضخم عقد الكراهية والتكفير ليسمح مَن يرزح تحت مشاعرها لنفسه ويفوضها حق الاعتداء على ما ليس له فيه أي حق.

يستحق جواد سليم منا تمثالاً أعظم، ويستحق التمثال أن يكون في المكان المناسب، هذا أقل ما نقدمه من اعتذار لأحد صانعي حداثتنا ووجودنا في هذا العصر إن ما زلنا نحيا في هذا العصر.

 

شاهد أيضاً

لا إهانة لسيادة العراق في تصريح مسجدي

ردود أفعال مستنكرة وبعضها متشّنجة أثارها تصريح سفير جمهورية إيران الإسلامية في بغداد السيد إريج …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *