الرئيسية / اراء ومقالات / حرب عالمية في سوريا

حرب عالمية في سوريا

 

حازم مبيضين /

بدأت الأزمة في سوريا بحراك شعبي يطالب بالإصلاح، ونتيجة لأخطاء الأطراف كافة تحولت إلى حرب أهلية بوجه طائفي تميز بارتكاب فظائع إرهابية، وانتهت لتكون مأساة إنسانية تضرب أطياف الشعب كافة وتخص منهم المدنيين، وهي وإن شهدت العديد من أشكال التدخل الخارجي فإنها تواجه اليوم المنعطف الأشد خطورة بتوغل قوات عسكرية تركية في أراضيها بحجة منع الكرد من إنشاء كيانهم الخاص، ولإقامة منطقة عازلة، بموافقة دمشق وموسكو وطهران، على أن يتم ترحيل اللاجئين السوريين في تركيا لها لإقامة سد بشري لمنع الكرد من تحقيق طموحاتهم، لكن هؤلاء وإن أشيع أنهم فقدوا التأييد الأميركي فإنهم يتعهدون بمحاربة الاتراك.

يبدو أن منع الكرد من إقامة كيانهم، بات هدفاً يتقدم على وأد المخطط الداعشي، وهو هدف جمع تركيا مع ايران والعراق وسوريا، ما يخلط الكثير من الأوراق ويغير أهداف المتحاربين، حيث تتم اليوم تفاهمات إقليمية لم تكن متوقعة، وإلى حد الحديث عن صفقة سورية تركية، تعود بموجبها حلب إلى حضن النظام، مقابل إطلاق يد تركيا لضرب الكيان الكردي قيد التشكل، وقد تسفر عن مصالحات بين التنظيمات المسلحة المتحاربة على أسس طائفية، بينما يرصد النظام ومعارضوه، التطورات التي ستنعكس بصورة مباشرة على موازين القوى المتحكمة بلعبة الحرب والسلام في بلادهم، فدمشق ترى في الانعطافة التركية بقعة يتزامن وهجها مع فتور علاقات الرياض بأنقرة، في حين تتباين الأولويات  بين واشنطن وموسكو  خاصة ما تعلق منها بمصير الأسد، ويعمق التباعد بينهما نظرتهما إلى ما يجري في سوريا من منظار أوسع، يمتد من أوكرانيا إلى توسعة الناتو مروراً بالدور الإيراني في المنطقة، وليس انتهاء بدور الناتو الكوني.

ثمة من يسأل وهو محق، كيف لم تُرَق نقطة دم تركية واحدة في عملية احتلال جرابلس، وهي كانت تحت سيطرة داعش التي قيل إنها أعدت العدة لمواجهة كهذه؟ وكيف تم توفير ممر آمن للدواعش وعائلاتهم وخصوصاً أسلحتهم وعتادهم، وكيف تمكنت تركيا من ذلك، وهي تلوح بدعم معارضي الأسد عسكرياً، في إطار عملية درع الفرات التي احتلت فيها أراضي سورية، بمشاركة قوات الجيش السوري الحر، والتي تزعم أنقرة أن بإمكانها مواصلة قتال الدواعش والنظام في آن معاً؟ والمثير للسخرية مزاعم تركيا بأنها ستدافع عن وحدة الأراضي السورية، ضد داعش وداعميها الغربيين، ومزاعمها المفضوحة بأن الجيش الحر هو من حرر جرابلس وطهّرها من التنظيم الإرهابي.

لاتلقى التحركات التركية ترحيباً في باريس، التي حذرت من مخاطر تصعيد شامل، ودعت إلى وقف المعارك وهدنة فورية، باعتبار ذلك ضرورة قصوى. وكذلك واشنطن التي طلبت من تركيا التركيز على تنظيم داعش، وعدم الاشتباك مع القوات الكردية، بعد أن أمّنت حدودها، وأعلنت واشنطن أنها لا تريد مواجهة بين أطراف الحرب على الدواعش، وأشادت بالقوات الكردية التي أثبت فعاليتها في مدينة منبج، ووصفت تركيا بأنها ليست شريكاً مُشاركاً في الحرب على داعش فحسب، بل هي حليف فعّال للغاية في الأطلسي،وكدليل على ازدحام الأرض السورية بالجيوش المتدخلة على الأرض وفي السماء، أعلنت واشنطن وموسكو كلتاهما أن طيرانها هو قاتل الإرهابي العدناني في حلب.

بعد حلب ومنبج جاء دور حماة.. التي تتعرض اليوم لهجمات من التنظيمات الممولة سعودياً، بعد نجاتها لسنوات من نيران الحرب، وتكتسب معارك حماة أهميّتها، من أن السيطرة على نقاط مفصليّة في المحافظة، تعني قطع عدد من خطوط إمداد الجيش الاستراتيجيّة، كما أن التطورات الأخيرة فيها، تشكل تهديداً لمناطق ظلّت في منأى عن التأثّر المباشر بالحرب، ناهيك عن أن المهاجمين قد يواصلون زحفهم نحو السلميّة الاستراتيجيّة، والمتصلة عبر الصحراء بمناطق نفوذ داعش ، وواضح أن فتح هذه الجبهة جاء لتأكيد النفوذ السعودي، بعد سيطرة الأتراك على التنظيمات المقاتلة في الشمال، بالتزامن مع انحسار السطوة السعودية عن غوطة دمشق ومناطق الجنوب، الخاضعة لغرفة عمليات «الموك».

اليوم وبعد مرور عام على التدخل العسكري الروسي، بدأت مرحلة جديدة تأتي فيها تركيا في الطليعة، حيث يقترب موقفها من الموقفين الأميركي والروسي، اللذين يتقاربان من التطابق، بعد خلافات جذرية يتم تجاوزها وإن ببطء، وذلك بعد مراهنة أنقرة على إسقاط الأسد ولو من خلال داعش، التي انقلبت على حليفها التركي، بمجرد تناغمه مع  التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن، مع علمها بأنها تدعم من جهة أخرى كرد سوريا، ولذلك قبلت أنقرة بقاء الأسد في السلطة خلال فترة انتقالية، ثم  أرسلت قواتها إلى بلدة جرابلس الحدودية، لمنع المقاتلين الكرد من تحريرها من داعش، وربط المناطق التي يسيطرون عليها، وهي تعلن اليوم أن هدف عملياتها في سوريا هو «تحرير» منبج من الكرد.

وبعد، فإن الحديث عن أفق لإنهاء هذه الحرب، وبدء مرحلة جديدة في تاريخ سوريا، يظل حُلُماً في المدى المنظور، ذلك أن ممولي الحرب الدوليين والإقليميين يمتلكون رؤى متباينة لمستقبل سوريا والمنطقة، ويعني ذلك أن على المتحاربين السوريين في الطرفين، بدء خطوات عملية لعملية سياسية حقيقية، لأنه لن تنجح أية خطة أو مؤتمر في إرساء أسس لحل وطني، دون أن يكون المبتدأ سورياً خالصاً لوجه الوطن ومستقبله.

 

 

شاهد أيضاً

لا إهانة لسيادة العراق في تصريح مسجدي

ردود أفعال مستنكرة وبعضها متشّنجة أثارها تصريح سفير جمهورية إيران الإسلامية في بغداد السيد إريج …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *