الرئيسية / اراء ومقالات / لعبة استنطاق التاريخ وانعكاساتها المتوقعة..  الخطاب الكوردي مثالاً
350

لعبة استنطاق التاريخ وانعكاساتها المتوقعة..  الخطاب الكوردي مثالاً

د. علي السعدي  /

المتابع للخطاب السياسي (الثقافي ) في كردستان العراق، سيلاحظ الكثير مما يمكن أن يحسب في إطار انبعاث جديد يحاول استنطاق تاريخ العصور القديمة تارة ، والتفاضل على الآخرين تارة أخرى ،من دون الأخذ في الإعتبار إن أي استخدام للتاريخ القديم ،قد يضّر بأكثر مما يعود بالنفع ، ولكي يجري الدخول في الموضوع سنعتمد مبدئياً النقاط التالية كإساس :

1:لم يوضح أحد من مؤرخي الكرد أو الكورد ،معنى أو تعريفاً محدداً لهذا المصطلح ،وفيما إذا كان مشتقاً من كور السومرية (الجبل)أم إلى كرد بن مرد بن صعصعة بن هوازن ،أو مشتقة من الميديين .

2: سيتم الإعتماد على مايقوله الكرد أنفسهم بأنهم من أحفاد الميديين ، ولنعتبر ان تلك مسلّمة لاجدال حولها ،هنا عليهم توضيح ماعلاقة الميديين بمصطلح (كورد) .

3:المعروف حسبما يقر به الجميع ، إن الميديين قبيلة- أو قبائل- هاجرت على دفعات من جبال زاغاروس وبحر قزوين ،بدءاً من القرن الثامن ق/م أو نحوه ،وإنهم جاءوا إلى مناطق تشهد تطوراً حضارياً مزدهراً عمره قبل ذلك مايزيد عن 3000عام ،وأنهم في فترة لاحقة (بحدود منتصف القرن السابع ق/م استطاعوا أقامة دولة تركزت بمثقلها الرئيس في اذربيجان وشمال ايران وماحولها من مناطق ،لكنها لم تدم سوى مايقارب 90 عاما أو نحوها وهي فترة قصيرة جدا من تاريخ المنطقة الممتد عبر آلاف السنين .

4- قياساً بسكان المنطقة الأصليين من سومريين وأكديين وبابليين ، الذين ازدهرت في عهدهم الحضارة الرافدينية إلى درجة مذهلة مازالت آثارها باقية ،حيث وضعها العلماء كأول حضارة مؤسسة في التاريخ تليها الحضارتان الإغريقية والرومانية،فإن الميديين لم يتركوا أو يضيفوا شيئا يذكر من منجزات حضارية لأنهم لم يتجذروا كدولة .

5:إذا كانت عائدية الأرض – حسب المنطق الكردي في استحضار التاريخ- يعود لمن سبق في سكنها وإعمارها وترك أثره فيها ،فإن المتفق عليهم ان الأكديين أقوام جاءت من شبه الجزيرة العربية (أي يمكن تسميتهم عرباً ) في هجرات ،وإنهم اختلطوا بالسومريين ،ثم استطاعوا تأسيس امبراطورية كبرى تركت آثاراً خالداً في التاريخ ،وقد سبق وجودهم ظهور الميدين بأكثر من 1500 عام(ق/م 2350 ق/م – للاكديين (*)مقابل حوالي 800عام ق،م للميديين )هذا يعني ان استخدام المنطق الكردي نفسه في اعتبار العرب غزاة شوهوا تاريخ المنطقة ،يمكن أن ينطبق على (الميديين)في أنهم غزاة عليهم )أو على أحفادهم) أن يعودوا إلى جبال زاغاروس حيث موطنهم الأصلي .

6: مثل هذا المنطق كارثي بالطبع ،فليس سوى المغرق في عنصريته – المزعومة أو المختلقة – من يبحث عن أعراق وجذور، فليس منطقياً ان اقواماً عاشت وازدهرت عبر آلاف السنين ،كالسومريين والاكديين والبابليين ،تلاشوا في المنطقة رغم بقاء آثارهم ومنجزاتهم خالدة ، ولانجد اليوم من يزعمون انهم من أحفادهم عرقياً ،في وقت يحاول البعض الزعم إنهم أحفاد أقوام مرت في تاريخ المنطقة ، ومن ثم إيجاد استمرارية لهم هنا وهناك.

7: المنطق السليم والموضوعي هو في القول إن الكرد- وأياً يكن اصل التسمية وجذورها – هم من سكان هذه المنطقة أسوة بغيرهم ،وإنهم تعايشوا وتفاعلوا وامتزجوا فيها منذ القدم ،لكن مناطقهم الجغرافية كونت لديهم خصوصية كما كل شعوب الأرض عبر تأثرها بالجغرافيا ،وان هذه الخصوصية كانت هدفاً لما تعرضوا له من قمع واضطهاد طوال أزمنة من حكم الأنظمة العنصرية ،وعليه فمن حقهم البحث عن دولة تجمعهم ،ذلك هو الخطاب الذي يمكن ان يتعاطف معه الكثيرون أيا تكن هوياتهم وأعراقهم ،لكن ذلك لايبرر انطلاق نوازع عنصرية موجهة ضد الآخرين ،فمثل هذا الخطاب هو من جعل الكثير من دول العالم تتردد في استمرار دعم الكرد ،لأن العالم بعد إن دفع اثماناً غالية للتخلص من العنصرية والفاشية ،ليس مستعداً ان يرى كياناً جديداً يقام على هذا الأساس ،وإذا كانت أمريكا قد قامت بحماية الكرد في العراق من طاغية قاتل بدعواه القومية العنصرية ،فإنها ليست مستعدة لزج نفسها في حماية عنصرية بديلة ،وقد ظهر ذكر في أكثر من مناسبة خاصة في موقفها من طروحات الانفصال وتصدير النفط.

8- الأمن الذي ينعم به إقليم كردستان العراق اليوم ،لايأتي من جهد القوات الأمنية في الإقليم وحسب ،فقد تعرضت دول عظمى أكثر قوة وتطوراً بما لايقاس ،الى عمليات إرهابية ،بل الإقليم نفسه ،غرست له سيارة مفخخة انفجرت بالقرب من أكثرمرتكزاتها الأمنية حساسية كرسالة تقول (لاتحاولون التدخل بما ليس من شأنكم وإلا) ،وفعلا فهمت قيادة الإقليم الرسالة ،وبهذا يمكن القول إن الامن في الاقليم سيتهز بشدة حالما يحاول قادته التدخل في شؤون المنطقة ،وماينفعهم الآن إن الإرهابيين يعتبرون الشيعة أكثر خطراً حتى من اليهود ناهيك بالكرد،لكن ما أن تتغير طبيعة الصراع ،حتى تتغير وجهته .

9: الوقوف بمواجهة العنصرية من أية جهة أتت ،هي بالمقدار ذاته التي تتطلب الوقوف ضد الخطاب التكفيري للجماعات الإرهابية ، فالاثنان في مضمونهما يقودان الى نشر الكراهية والتنافر والإضطراب بين الشعوب ،وبالتالي فكما تصدى المتنورون لخطاب (القومجيين) العرب ،بالفكر والثقافة والكلمة ،عليهم كذلك التصدي للخطاب (القومجي ) الجديد وان استبدل تسمياته .

 

 

 

 

 

شاهد أيضاً

عبد المهدي

هل سينجح عادل عبد المهدي بإبرام صفقة القرن مع الصين ؟

كتب / أياد السماوي رئيس مجلس الوزراء السيد عادل عبد المهدي سيتوّجه بعد غد الخميس …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *